ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
124
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
يقول : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ [ المجادلة : 7 ] . فإن الأعمال بالنيات ، وما دامت نية العبد دام عون اللّه له ، فإن قصرت نيته قصر عون اللّه عنه ؛ فإن اللّه تعالى يجعل الأمة كلها لا فيها إلّا من لهم الإدراك والتسليم كما كان من السلف لا حسد ولا غيبة ولا بغي ولا رفث ولا تفث ولا محاسدة ولا عنت ولا عبث ولا معاندة ولا مكايدة ولا منافثة ولا مقاطعة ولا مخادعة ولا مكابدة ولا مماراة ولا مماحقة ولا ممالقة ولا مكاذبة ولا منافقة ولا مصاقلة ، ولا ذميمة ، ولا وقوع بما ليس ، ولا كذب ولا كبر ولا عجب ولا ترف ولا إجناف ، ولا افتخار ولا شطح ولا حظوظ في المجالس ولا تصدر ولا تصدير ولا طول على أخ ولا جدل ولا جدال ولا امتحان ولا افتخار ولا تنقيص ولا سوء ظن بأهل الطريق ، ولا من تزيق بزيق ولا تطلع لأعوام ولا جاه بالدنيا وأهلها ولا نظر إلى حطامها وأودها ولا طلب خذلانا ولا تخييل لمعان ولا قدر أسرار باختيار ولا قدح في رب خرقة ، ولا ممالقة ولا معاندة لرب البرية ، ولا انتقاص قدر من لا يفهم أو من لا يعلم لكون أن لا يعلم ، كما حكي عن إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه قال : « بينما أنا في جبال بيت المقدس ، وإذا أنا بصوت حنين من قلب حزين وهو ينادي ، فأتيت الصوت فوجدت طفلة صغيرة السن ، فقلت : يا بنية ما تخافين ؟ من لا يخاف اللّه في هذه المواضع ؟ ! فقالت : يا ابن أدهم اقرأ لي شيئا من كتاب اللّه فقرأت كهيعص ( 1 ) [ مريم : 1 ] ، قالت « كاف » فهو الكافي « هاء » فهو الهادي « ياء » يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، « عين » فهو العالم « صاد » فهو الصادق ، فإذا كان الكافي والهادي والعالم والصادق معي فممن أخاف فرأيتها رثة الثياب ، فأخذت خمسة دراهم أعطيتها لها ، فقالت : مر يا ابن أدهم ، نحن ما رضينا ننفق شيئا لم تسلمه السماء والأرض ، فكيف ننفق شيئا دخل السوق ، ثم ضربت بيدها إلى السماء فأرمت بدينار كحافر البغل ، فبكيت ثم مسحت عيناني ، فلم أجدها » . وأصحاب العطاء كثر ، وأهل هذا الزمان ما فيهم إلا المناقشة ، إما يسألون عن معنى الصفات ، أو معنى الأسماء ، أو معنى مقطعات حروف المعجم وهذا لا يليق ، أو يليق للعارف المتمكن إذا خلى [ أن يحظر تلوحا يسيرا فإن سمع جوابا ولا صمت يضمر ضجرا عنه ولا قلة إذا وفق له ] « 1 » .
--> ( 1 ) كذا بالأصل وهي جملة مضطربة .